الغزي

343

نهر الذهب في تاريخ حلب

وطعمه وريحه . وقد اشتهرت قصبة الجسر عندنا بعمل الملاءات المطبوعة التي تستعمل عند سكان القرى وأطراف حلب سفرا ووجوها للّحف والوسائد والفرش . وعلى بعد ثلاث ساعات من الجسر قرية اسمها كفر دبين عندها عين معدنية ينفع الاستحمام بها من الأمراض الجلدية كالقوبي والحزاز وبقية البثور . ومن أشهر المحاصيل الطبيعية في هذا القضاء بزر الخردل وجزور المحمودة المعروفة بالكتب الطبية باسم سقمونيا وفيه أيضا كثير من الزيتون والتتون وتوت الحرير والحنطة والشعير وبقية الحبوب . والثروة في سكانه ضعيفة كما أن المعارف فيه مفقودة . ومن الأماكن التي كان لها ذكر في التاريخ في هذا القضاء : ( أفامية ) وكانت قاعدة سورية الأبامية من أعمال شيزر وهي في جنوبي أنطاكية وكان اسمها القديم فرنكه . ثم في دولة الطوائف اتخذها سلوكس نيكاتر مقرا لجنوده وحظيرة لخيوله وفيلته فاتسعت وعظمت فسماها حينئذ باسم زوجته أباما وبعد المسيح عليه السلام اشتهرت بامس فاميه وعلى هذا الاسم فتحت سنة ( 17 ) عن يد أبي عبيدة صلحا على الجزية والخراج وقد جرى عليها ما جرى على بقية جيرانها من البلاد التي عاثت بها أيدي الفرنج ثم التتار فخربت وجلا أهلها عنها . ويقال لها أيضا فامية بغير ألف ، قيل : الأصل ثانية . وذلك أنها ثاني مدينة بنيت على الأرض بعد الطوفان . وقد ذكرت في شعر أبي العلاء بالألف « 1 » حيث قال : - ولولاك لم تسلم أفامية الردى « 2 » - ومجيئها في الشعر بغير ألف كثير من ذلك ورودها في شعر لعيسى بن سعدان الحلبي : يا دار علوة ما جيدي بمنعطف * إلى سواك ولا قلبي بمنجذب ويا قرى الشام من ليلون لا بخلت * على بلادكم هطّالة السحب ما مرّ برقك مجتازا على بصري * إلا وذكّرني الدارين من حلب ليت العواصم من شرقيّ فامية * أهدت إليّ نسيم البان والغرب « 3 » ما كان أطيب أيامي بقربهم * حتى رمتني عوادي الدهر من كثب

--> ( 1 ) أي بالألف قبل الفاء : « أفامية » . ( 2 ) انظر سقط الزند 90 ط . صادر ، وشروح السقط 1 / 361 . ( 3 ) البان والغرب : نوعان من الشجر .